محمد بن جرير الطبري

582

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فقاتلوهم وخرج اليه عدى بنفسه فقتل من أصحابه الحارث بن مصرف الأودي - وكان من اشراف أهل الشام وفرسان الحجاج - وقتل موسى بن الوجيه الحميري ثم الكلاعي ، وقتل راشد المؤذن ، وانهزم أصحاب عدى ، وسمع اخوه يزيد وهم في محبس عدى الأصوات تدنو ، والنشاب تقع في القصر ، فقال لهم عبد الملك انى أرى النشاب تقع في القصر ، وأرى الأصوات تدنو ، ولا أرى يزيد الا قد ظهر ، وانى لا آمن من مع عدى من مضر ومن أهل الشام ان يأتونا فيقتلونا قبل ان يصل إلينا يزيد إلى الدار ، فاغلقوا الباب ثم ألقوا عليه ثيابا ففعلوا فلم يلبثوا الا ساعة حتى جاءهم عبد الله بن دينار مولى ابن عمر ، وكان على حرس عدى - فجاء يشتد إلى الباب هو وأصحابه ، وقد وضع بنو المهلب متاعا على الباب ، ثم اتكوا عليه ، فاخذ الآخرون يعالجون الباب ، فلم يستطيعوا الدخول ، واعجلهم الناس فخلوا عنهم . وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دار سلم بن زياد بن أبي سفيان إلى جانب القصر ، واتى بالسلاليم ، فلم يلبث عثمان ان فتح القصر ، واتى بعدي ابن أرطأة ، فجيء به وهو يتبسم ، فقال له يزيد : لم تضحك ؟ فوالله انه لينبغي ان يمنعك من الضحك خصلتان : إحداهما الفرار من القتله الكريمة حتى أعطيت بيدك إعطاء المرأة بيدها ، فهذه واحده ، والأخرى انى اتيت بك تتل كما يتل العبد الآبق إلى أربابه ، وليس معك منى عهد ولا عقد ، فما يؤمنك ان اضرب عنقك ! فقال عدى : اما أنت فقد قدرت على ، ولكني اعلم أن بقائى بقاؤك ، وان هلاكي مطلوب به من جرته يده ، انك قد رايت جنود الله بالمغرب ، وعلمت بلاء الله عندهم في كل موطن من مواطن الغدر والنكث ، فتدارك فلتتك وزلتك بالتوبة واستقاله العثرة ، قبل ان يرمى إليك البحر بامواجه ، فان طلبت الاستقالة حينئذ لم تقل ، وان أردت الصلح وقد اشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين ، وما لم يشخص القوم إليك فلم